الشيخ محمد السند
336
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
قلت لجعفر بن محمد : إن شئت أخبرتك بما سمعت القوم يقولون قال : فهات قال : فقلت : فإن طائفة منهم عبدوك اتخذوك إلهاً من دون اللَّه وطائفة أخرى والوالك بالنبوة قال : فبكى حتى ابتلّت لحيته ثم قال : إن أمكنني اللَّه من هؤلاء فلم أسفك دماءهم سفك اللَّه دم ولدي على يدي « 1 » . والمهم في هذه الأحاديث أن نعرف أنّ معنى الغلوّ ليس هو إثبات المقامات والصفات التي تتعاظم عند كثيرين إسنادها إلى الأئمة عليهم السلام ، وإنّما الغلوّ هو دعوى مقام واسم الربوبيّة والألوهيّة في الأئمة صلوات اللَّه عليهم وكذا الغناء الذاتي والاستقلال في الوجود والإرادة والمشيّة عن اللَّه تعالى . ومن ثمّ صعب طريق الوسط على كثيرين فإمّا يفرّط في مقاماتهم عليهم السلام بنحو التقصير خوفاً من الوقوع في الغلو ، وإمّا يفرط فيثبت الربوبيّة . ومن المهم الالتفات إلى أنّ الغلاة رغم غلوّهم في الإفراط بالقول إلّاأنهم أيضاً جهلوا مقامات أهل البيت عليهم السلام ، ومن ثم قال الأئمة عليهم السلام لهم في روايات عديدة : إننا دون ما تقولون أي لسنا بأرباب بل عبيد مرزوقون مربوبون ، ولكنّا فوق ما تظنّون أي أنّ حقائق مقاماتهم لم يدركوها هؤلاء الغلاة وإنما أفرطوا بلسانهم من دون علم ومعرفة لهم بكنه مقامات أهل البيت التي هي كرامات من اللَّه عز وجل لهم ، إذ هم عباد مكرّمون مقرّبون عند اللَّه عز وجل . ومن ثمّ ورد عنهم عليهم السلام : إنّ شرّ الغلاة كشرّ النواصب وليس المراد من ذلك أنّه يكتفى في معرفة أهل البيت بالمحبّة فقط ، بل المراد أنّ الغلاة يقطعون الطريق أمام معرفة أهل البيت وينفرون الناس عن سلوك طريق معرفتهم والرقي في درجاتهم مع حفظ الموازين من عبوديتهم للَّهومربوبيّتهم « لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) ، ( لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ) . « 2 »
--> ( 1 ) . إحقاق الحق 12 / 236 ، عن تاريخ جرجان / 253 . ( 2 ) . الأنبياء : 27 .